الشنقيطي
9
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وهذه الآية أعظم الدلالات على قدرته تعالى وسعة علمه ، وألا يفوته شيء قط ، وأنه يعلم بالجزئيّات علمه بالكليات . وكما تقدم في سورة المجادلة ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [ المجادلة : 7 ] . وكذلك التفصيل في قوله : * وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ [ الأنعام : 59 ] . قوله تعالى : إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً ( 31 ) [ 31 ] . بينه بعده بقوله تعالى : حَدائِقَ وَأَعْناباً - إلى قوله - جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِساباً [ النبأ : 32 - 36 ] . قوله تعالى : عَطاءً حِساباً ( 36 ) [ 36 ] . في حق الكفار ، قال : جزاء وفاقا ، وفي حق المؤمنين ، قال عطاء حسابا . ففي الأول بيان أن مجازاتهم وفق أعمالهم ولا يظلم ربك أحدا . وفي الثاني بيان بأن هذا النعيم عطاء من اللّه وتفضل عليهم به من الأصل ، وهو المفاز المفسر في قوله تعالى : فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ [ آل عمران : 185 ] . ودخول الجنة ابتداء عطاء من اللّه كما في حديث : « لن يدخل أحدكم الجنّة بعمله » « 1 » ، وقوله : حسابا : إشعار بأن تفاوت أهل الجنة في الجنة بالحساب ونتائج الأعمال . وقيل حسابا : بمعنى كفاية ، حتى يقول كل واحد منهم : حسبي حسبي . أي كافيني . قول تعالى : يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا [ 38 ] . تقدم للشيخ رحمة اللّه تعالى علينا وعليه بيانه ، عند الكلام على قوله تعالى في
--> ( 1 ) سبق تخريجه في الجزء الرابع .